العيني

11

عمدة القاري

الاقتصار على المسح دون الغسل . قلت : هذا الجواب يؤيد ما قاله الطحاوي الذي ذكرناه عن قريب ، وهو لا يخلو عن نظر ، والله أعلم . 4 ( ( باب قَوْلِ المُحَدِّثِ : حدّثنا أوْ أخْبَرَنَا وأنْبأَنَا ) ) أي : هذا باب في بيان قول المحدث : حدثنا وأخبرنا وأنبأنا ، هل فيه فرق أم الكل واحد ؟ والمراد بالمحدث اللغوي ، وهو الذي يحدث غيره ، لا الاصطلاحي ، وهو الذي يشتغل بالحديث النبوي . فإن قلت : ما وجه ذكر هذا الباب في كتاب العلم ؟ وما وجه المناسبة بينه وبين الباب الذي قبله ؟ قلت : أما ذكره مطلقاً فللتنبيه على أنه بنى كتابه على المسندات المروية عن النبي ، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم . وأما ذكره في كتاب العلم فظاهر لأنه من جملة ما يحتاج إليه المحدث في معرفة الفرق بين الألفاظ المذكورة لغة واصطلاحاً ، وأما وجه المناسبة بين البابين فهو من حيث إن المذكور في الباب السابق : رفع العالم صوته بالعلم ليتعلم الحاضرون ذلك ، ويعلمون غيرهم بالرواية عنه ، فعند الرواية والنقل عنه لا بد من ذكر لفظة من الألفاظ المذكورة ، فحينئذٍ ظهر الاحتياج إلى معرفتها لغةً واصطلاحاً . ومن حيث الفرق بينها وعدمه ، وفي بعض النسخ : أخبرنا وحدثنا وأنبأنا . وقال لَنَا الحُمَيْدِيُّ كانَ عِنْدَ ابنِ عُيَيْنَةَ : حدّثنا وأخْبَرَنَا وأنْبَانَا ، وسَمِعْتُ واحِداً . الحميدي ، بضم الحاء ، هو أبو بكر عبد اللَّه بن الزبير القرشي الأسدي المكي ، أحد مشايخ البخاري ، وقد مر ذكره . وتصدير الباب بقوله تنبيه على أنه اختار هذا القول في عدم الفرق بين هذه الألفاظ الأربعة ، نقل هذا عن شيخه الحميدي ، والحميدي أيضاً نقل ذلك عن شيخه سفيان بن عينية ، وهو أيضاً قد ذكر . وفي بعض النسخ : وقال لنا الحميدي ، وهي رواية كريمة والأصيلي . وكذا ذكر أبو نعيم في ( المستخرج ) وليس في رواية كريمة : وأنبأنا ، والكل في رواية أبي ذر . ثم اعلم أن قوله : قال الحميدي ، لا يدل جزماً على أنه سمعه منه ، فيحتمل الواسطة ، وهو أحط مرتبة من : حدثنا ونحوه ، سواء كان بزيادة : لنا ، أو لم يكن ، لأنه يقال على سبيل المذاكرة ، بخلاف نحو : حدثنا ، فإنه يقال على سبيل النقل والتحمل . وقال جعفر بن حمدان النيسابوري : كلما قال البخاري فيه : قال لي فلان ، فهو عرض ومناولة . وقال القاضي عياض : لا خلاف أنه يجوز في السماع من لفظ الشيخ أن يقول السامع فيه : حدثنا ، وأخبرنا ، وأنبأنا ، وسمعته يقول ، وقال لنا فلان ، وذكر لنا فلان ؛ وإليه مال الطحاوي . وصحح هذا المذهب ابن الحاجب ، ونقل هو وغيره عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة ، وهو مذهب جماعة من المحدثين منهم الزهري ويحيى القطان . وقيل : إنه قول معظم الحجازيين والكوفيين فلذلك اختاره البخاري بنقله عن الحميدي عن سفيان بن عيينة ، وقال آخرون بالمنع في القراءة على الشيخ إلاَّ مقيداً مثل : حدثنا فلان قراءة عليه ، وأخبرنا قراءة عليه ، وهو مذهب المتكلمين . وقال آخرون بالمنع في : حدثنا ، وبالجواز في أخبرنا ، وهو مذهب الشافعي وأصحابه ، ومسلم بن الحجاج وجمهور أهل المشرق ، ونقل عن أكثر المحدثين منهم ابن جريج والأوزاعي والنسائي وابن وهب . وقيل : إن عبد اللَّه ابن وهب أول من أحدث هذا الفرق بمصر ، وصار هو الشائع الغالب على أهل الحديث ، والأحسن أن يقال فيه : إنه اصطلاح منهم أرادوا به التمييز بين النوعين ، وخصصوا قراءة الشيخ : بحدثنا ، لقوة إشعاره بالنطق والمشافهة ، وأحدث المتأخرون تفصيلاً آخر وهو أنه متى سمع وحده من لفظ الشيخ أفرد ، فقال : حدثني أو أخبرني أو سمعت ، ومتى سمع مع غيره جمع فقال : حدثنا أو أخبرنا ، ومتى قرأ بنفسه على الشيخ أفرد فقال : أخبرني . وخصصوا الإنباء بالإجازة التي يشافه بها الشيخ من يخبره ، وكل هذا مستحسن ، وليس بواجب عندهم ، لأن هذا اصطلاح ولا منازعة فيه . وقال بعضهم : التحديث والإخبار والإنباء سواء وهذا لا خلاف فيه عند أهل العلم بالنسبة إلى اللغة . قلت : لا نسلم ذلك ، لأن الحديث هو القول ، والخبر من الخبر ، بضم الخاء وسكون الباء ، وهو العلم بالشيء من خبرت الشيء أخبره خبراً وخبرة ، ومن أين خبرت هذا أي : علمته ، وإنما استواء هذه الألفاظ بالنسبة إلى الاصطلاح ، وكل ما جاء من لفظ الخبر وما يشتق منه في القرآن والحديث وغيرهما فمعناه الأصلي هو العلم . فافهم .